أحمد بن أعثم الكوفي

142

الفتوح

بالله وكفركم به ، فلا تحسبونا تاركيها ومنصرفين عنها ولا خارجين منها إلى غيرها ( 1 ) ، فذروا عنكم تمني الأباطيل والأماني الكاذبة ، وأما قولكم بأنكم تأتوننا فيما لا قبل لنا به فوالله لا تأتوننا بجند إلا أتيناكم بمثله أو ضعافه إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ، فكونوا من ذلك على يقين . ( 2 ) قال : فلما انتهت إليهم هذه الرسالة من أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كأنهم انكسروا لذلك وداخل قلوبهم الرعب والخوف ، فأرسلوا إليه أن ابعث إلينا رجلا من صلحاء أصحابك حتى نسأله عما تريدون وتطلبون وتسألون ونخبره بما عندنا وندعوكم إلى حظكم ورشدكم . ذكر مسير معاذ بن جبل إلى الروم وما كان من كلامه معهم قال : فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل - رضي الله عنهما ، فأقبل إليهم معاذ على فرس له أدهم ، على رأسه عمامة له حمراء ، عليه درع له سابغ قد ظاهره بحريرة صفراء وقد تقلد بسيف له يمان ، حتى إذا دنا من القوم نزل عن فرسه وأخذ بعنانه وجعل يقوده وهو يمشي إليهم ، فقال بعضهم لبعض غلمانه : أذهب فأمسك عليه فرسه ، فقال معاذ للغلام : إليك عني ! فإني أمسك فرسي ولا أحب أن يمسكه غيري . قال : ثم دنا منهم فإذا بجماعة من بطارقتهم قعود على فرش ونمارق ( 3 ) تكاد أن يغشى الابصار حسنها . قال : وتقدم إلى معاذ رجل منهم فقال له : ناولني فرسك أمسكه لك واجلس مع هؤلاء الملوك فإنهم سادات الروم وأشرافها ، فقال معاذ : لست أحب أن أكلمهم إلا وأنا قائم . قال : فقال له الترجمان : يا هذا ! إن القوم يكرهون أن يكلمونك وأنت قائم ، فقال معاذ : أيها الرجل ! إني لم أقم على رجلي بين أيديهم إعظاما لهم ، ولكني أكره أن أجلس على هذه النمارق ( 4 ) لأنها من زينة الدنيا وقد زهد الله عز وجل عباده

--> ( 1 ) زيد عند الأزدي : حتى نفنيكم ونخرجكم عنها . ( 2 ) عند الأزدي : وإن أنتم أقمتم لنا فلا نبرح حتى نبيد خضراءكم ، مستأصل شأفتكم إن شاء الله . ( 3 ) النمارق جمع نمرقة ، وهي الوسادة الصغيرة . ( 4 ) زيد عند الأزدي ص 116 : التي استأثرتم بها على ضعفائكم واصل ملتهم .